السبت، 17 أكتوبر 2009

هل وفاء سلطان علمانية ؟


هل "وفاء سلطان" علمانية ؟
ثائر الناشف
قبل أن نذهب إلى الصيغة المناقضة لصيغة هذا العنوان، وهو هل " وفاء سلطان" مسلمة ؟ لا حاجة لنا للتعريف بها ولا الوقوف عند منطقها الرومانسي ، فليس ما نكتب من قبيل الاختلاف بالرأي ، بقدر ما هو تحليل لأعماق شخصيتها ، التي لطالما فتحت أبواب الجدل على مصراعيها وأثارت الزوابع في النفوس ، لا سيما عندما شرحت الإسلام كعقيدة سياسية - كما تسميه - من واقع طائفي سنأتي على ذكره وتفصيله لاحقاً .
وحجتها دائماً باسم العلمانية، لكونها تبيح للآخر حق النقاش والجدال وسبر أغوار الأديان على اختلافها في محاولة منها، أي العلمانية الغربية دون الشرقية، إظهار رجعية الدين ودوره في تكبيل الإنسان بأساطير وغيبيات تحد من تقدم
وتطور الكون .
دائماً باسم العلمانية ، التي لم تأخذ حقها في التعريف الدقيق ، حتى لدى العلمانيين أنفسهم ، فكيف الحال لدى الإسلاميين على اختلاف مشاربهم ، تحاول
" وفاء سلطان" جاهدة إضفاء اللون الرمادي على الإسلام ، وهو ما لم يفعله غيرها من أبناء الغرب ومثقفيه ، أي سعيها الحثيث للخلط بين الأبيض والأسود في تقديم تاريخ الإسلام ، وخلق منطقة رمادية تنعدم فيها الرؤية على المؤمن ، أياً كان إيمانه ، وعلى العلماني في فهم الإسلام وقراءة واقعه ، وبالتالي حصر الرؤية من خلال منظورها الشخصي فقط .
منظورها الشخصي، يقودنا إلى طرح السؤال بصيغته الأولى، هل " وفاء سلطان" علمانية ؟ هذا السؤال المركزي يدفعنا قبل الإجابة عليه إلى الخوض في اكتشاف جذورها الأولى ونشأتها الاجتماعية، قبل البدء في رمي السهام جزافاً كما يفعل البعض من دون طائل.
إن " سلطان" ، عندما شرعت في تشريح الإسلام بمشرحها كطبيبة ، انطلقت في تشريحها من واقع تاريخي خاص بها وبالطائفة والمنطقة التي تنحدر منها ، وليس من واقع كونها مسلمة كما تقول ، وهي بذلك نفت عن نفسها سمة العلمانية ، والأمر الآخر، أنه لطالما كان للعلمانية اتجاهات فكرية وتيارات سياسية ، فحتى الآن لم تفصح " سلطان" عن ماهية اتجاهها ولا تيارها ، فلا هي يسارية في علمانيتها ولا ليبرالية ولا حتى قومية .
لنفترض جدلاً أن " وفاء سلطان" كانت علمانية ، وأن تشريحها للإسلام ينبع من واقع حسرتها عليه كمسلمة سابقاً ، وأيضاً من واقع كونها تعيش الآن في قلعة الحداثة الأميركية حيث للقوة العلمية العسكرية عظمتها ، والسؤال الاستفهامي ، لماذا تفتحَ عقلها في أميركا ولم يتفتح في مسقطها بسورية ، هل الأمر يعود إلى مجرد انبهارها بعظمة التطور الأميركي ،أم لهامش الحرية الفردية والاجتماعية الذي لطالما افتقدته في سورية ؟.
لو كان الأمر يتعلق بعظمة الحداثة ، لكنا أمام مئات بل ملايين الحالات على شاكلة حالة "سلطان " ، أما إذا كان يتعلق بالحرية ، وهذا ما نعتقد ، فإن عليها ومن موقع تمتعها بالحرية ، أن تتمناها لأقرانها في سورية ، من خلال الدعوة الصريحة إلى منافحة ومقارعة الاستبداد السياسي والطائفي الذي تعيشه سورية ، منذ لحظة خروجها وأبعد ، فلماذا الانكباب في تشريح الإسلام ، التغاضي عن تشريح الاستبداد ، أليس الاستبداد السياسي هو المسؤول المباشر عن تقهقر المجتمعات ، وتخلف حال المسلمين عن اللحاق بركب الحداثة الأميركية ؟.
ولطالما تحدرت " وفاء سلطان" منذ نشأتها الأولى من منطقة الساحل السوري ، الغني بثرواته الطائفية والمذهبية ، فهذا يقودنا أيضاً إلى الوقوف عند حقيقة علمانيتها ، ولا نملك أن نشكك في إيمانية أي مذهب من مذاهب الإسلام التي تنتشر في الساحل السوري ، لكننا من واقع كوننا سوريين ، فإننا أعرف ما بداخل بيتنا أكثر من غيرنا ، وبالتالي من حقنا أن نتساءل ، ما الفرق بين علمانية "وفاء سلطان" وعلمانية حافظ الأسد وصلاح جديد المقنعة ، الذين ينحدرون جميعهم من نفس المنطقة في سورية ؟ أليست علمانية " سلطان" مقنعة هي الأخرى بواقع الطائفية المرير ؟ وعليه ، فان انتقادها للإسلام ، ليس نابعاً من الشعور بهدف التقويم والتجديد ، بل من واقع أن الإسلام لم يعترف بها ، كما تفعل بعض المرجعيات الشيعية إزاء التنصل من الاعتراف بالنصيرية أو العلوية ، أو ما تفعله بعض الجماعات السلفية لجهة التكفير، وهذا بحد ذاته خطأ جسيم يحسب على المسلمين سنة وشيعة ، أو لأنها أصلاً لا تعترف بالإسلام من واقع تقوقعها داخل حفرة طائفية ضيقة ، لا تقبل الانفتاح على محيطها العربي والإسلامي على حد سواء .
فحافظ الأسد الذي تلحف في بداية حياته السياسية بغطاء القومية العربية كحركة علمانية ، لم يتردد في توريث الحكم لنجله خوفاً على ضياع حقوق الطائفة العلوية ، وهو بذلك عاد وتقوقع في واقعه الطائفي الذي انطلق منه باسم علمانية البعث العروبي ، وهذا يدفعنا إلى التساؤل مرة أخرى ، هل تحصيل العلم في أميركا هو الذي دفع " وفاء سلطان" إلى التخلي عن الإسلام ، أم أن واقعها الطائفي حتم عليها الخروج دائما وأبداً عن الإسلام ؟ .
ولرب قائل يقول ، إننا شططنا بعيداً في استنتاجاتنا ، ولا صحة البتة في الربط بين الطائفية والعلمانية ، نقول ، إذا كان ماركس نبي الاشتراكية ، فإن ربها ، أي رب الاشتراكية العلمية ، هو صلاح جديد الذي ضحى بكل مواقعه السياسية والعسكرية في سبيل تطبيقها ، ومع ذلك لم يتردد في القول من واقع طائفي مرير لا يمت للاشتراكية ولا للعلمانية بأي صلة أو رابط ، أنه سيجعل مسلمي سورية ويقصد سنتها ، يتصدقون الملح .
رغم تلطي البعض باسم العلمانية ، والوقوف خلف ستارها الطويل ، فإننا كمجتمعات شرقية ، حتى لو حملتنا أحلامنا للعيش في ربوع الغرب ، لم نصل بعد إلى فهم المغزى الحقيقي للعلمانية ، التي تعني بحسب ما اعتقد ، الحرية والقانون والحياة ، بعيداً عن الغوص في الدين ، ولا يمنع إذا ما تعارض طريق الوصول إلى الحرية والقانون مع طريق الدين ، أن تشرع العلمانية في تقويم الدين وتجديده ما أمكن ، فعندما تخلى عالم النفس سيموند فرويد عن يهوديته ، لم يتخلَ عنها من واقع كرهه للديانة اليهودية ، إنما استمراراً في طريق العلم الذي قاده إلى اكتشاف بواطن النفس والانكباب في دراستها ومعالجتها معالجةً علميةً بعيدة عن طرق السحر والشعوذة التي كانت سائدة في عصره ، الأمر الذي اقتضى ابتعاده عن الدين ، لغاية هدف أسمى حمله للبشرية جمعاء ، ألا وهو اكتشاف النفس الإنسانية .
إن جوهر المشكلة ولبها لدى الأقليات في الشرق الأوسط ، أن بعضهم يقنع الطائفية بقناع العلمانية تارة ، وبقناع الدين تارة أخرى ، فهم بذلك يناقضون أنفسهم في كلا الأمرين .
كاتب عربي
Thaaer-1@hotmail.com


دمشق - طهران .. والسير في حقل الألغام




بعد نجاح سياسة الابتزاز التي أصبحت من اللوازم الأساسية لسياسة النظامان السوري والإيراني تجاه منطقة الشرق الأوسط الموبوءة بالأزمات المشتعلة ، يجري التلويح بين الحين والآخر بصيغة ، أنه لطالما كانت مفاتيح الحل بيد دمشق وطهران ، فإن عواصم القرار الدولي والإقليمي ، ستحط رحالها تباعاً في عاصمتي التأزيم والحل ، كما جرى مع الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي بخصوص أزمة الرئاسة اللبنانية ، ومع الغرب بخصوص الملف النووي الإيراني .
دمشق وطهران ، نجحتا وبدون أدنى شك في إتقان سياسة خلق الأزمات ، بما يشبه الفوضى البناءة ، ومن ثم بيع الحل لمن يهمه الأمر بأثمان مختلفة ، فسياستهما تقارب في كثير من الأحيان حافة الهاوية ، فهما كمن يزرع ألغاماً في حقل يتجه طريقه نحو الأمام ، فلاهما يستطيعان العودة إلى الوراء ، ولا غيرهم يستطيع التقدم للأمام ، نظراً لخطورة الألغام ، وانعدام معرفتهم بخريطة انتشارها .
وبما أن الكوارث الناجمة عن تلك الألغام ، خطيرة وكبيرة وضحاياه كُثُر ، فإن مصلحة الآخرين في نزع فتيلها تبدأ أولاً من مفاوضات هدفها النهائي ، الحل مقابل الثمن ، والحل يتجلى في نزعهما للألغام ، التي قاما بزرعها في لبنان حيث يوجد حزب الله ، وفي اليمن جماعة الحوثي ، وفلسطين توجد حماس ، وفي العراق خليط لا ينتهي من الألغام ، عدا عما يوجد في السودان الخليج العربي .
هذا بالنسبة لطريق الحل، أما الثمن المطلوب تقديمه، يتأكد في ضمان عودتهما من الضفة الأخرى فوق حقل الألغام، كقوة إقليمية لا يستهان بقدرتها، والاعتراف بدورهما المباشر في المنطقة.
لعل المصالحة العربية التي لم يكتمل عقدها بعد ، تدخل في إطارها العام ضمن النيات الحسنة لمن تمناها لصالح المنطقة ، لكن اكتمالها لازال مشروطاً حتى الساعة بالتفاهم على رزمة القضايا ، قبل الشروع في تنقية الأجواء ومصارحة النفس ، لهذا بدت المصالحة على هيئة مصالحات ثنائية ، لأجل المصالح أولاً ، وليس لأجل الصالح العربي أو الإقليمي .
ولطالما كانت ملفات المنطقة كثيرة ومتشعبة ، فإننا أمام عدة حقول ، لكل حقل منها خفير إقليمي يتلقى إشارة البدء أو التوقف حسب المناخ السياسي ، والمثير في الأمر ، أن مبدأ الفوضى البناءة الذي أطلقته إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ، جار العمل به ، ليس من إدارة الرئيس اوباما التي تبحث عن المخرج الملائم بعدما ضمنت مصالحها ، بل من دمشق وطهران اللتين تقفان ظاهرياً في الاتجاه المعاكس لخط واشنطن ، وعملياً تجلسان أمام طاولة التفاهم معها أو مع من ينوب عنها .
تلك هي سياسة الابتزاز الخشنة بعدما تلبدت سياسة القوة الناعمة ، وعلى المنطقة التآلف معها ما أمكن .
كاتب عربي
Thaaer-1@hotmail.com

السبت، 12 سبتمبر 2009

الإسلام كقنبلة بشرية


ثائر الناشف
علينا أن نسأل أنفسنا ، مَن الذي دفع مثقفو الغرب وفنانوه إلى رسم الإسلام الموروث ديناً وثقافةً عن الآباء والأجداد على هيئة قنبلة بشرية موقوتة ينذر خطرها بنسف كل مَن هو حولها كأناً من كان ؟ فهل اندفاع هؤلاء المثقفين والسياسيين الغربيين في تشريح الإسلام ، ولا نقول نقده ، انطلاقاً من ثقافتهم التي تبني على الشيء ومقتضاه ، أم أنها ردة فعلهم المباشرة التي خرجت عن سياقاتها الطبيعية في تناول الإسلام ، ليس بصفته كدين ، بل كحالة إيديولوجية تبعث على "العنف" وتحض عليه انتقاماً لاختلال موازين الحضارة وانحراف بوصلتها باتجاه عواصم الغرب .
بهذا الاتجاه المُؤسَس على موازين الحضارة ، تبدو حضارة الغرب ، ولطالما كانت لها الغلبة ورجحان الكفة ، باعثةً على الحياة وصانعةً لها ، بما يقابلها في الكفة الأخرى ، حضارة الإسلام ، لما هي في حالة تقهقر وانزواء دائمين ، إلا ما خلا من تراثها المتمثل باللغة وآدابها ونصوصها ، تبدو وكأنها صانعة للفوضى على هيئة قنبلة بشرية ، تحملها رؤوس المتشربين بإيديولوجية الإسلام كدار حرب وولاء وبراء ، وليسوا كمسلمين مؤمنين بعقائده وأركانه .
ووفقاً لذلك التشريح العملاني ، غدا الإسلام من الناحية النظرية في منحنيين ، منحى إيديولوجية الإسلام ، ومنحنى عقائدية الإسلام ، ونظراً لغياب التواصل الفكري والثقافي بين عموم المجتمعات الغربية والشرقية ، فإن نظرة تلك المجتمعات الغربية للإسلام ، متشابكة من حيث خلطها بين المنحيين السالف ذكرهما ، لينتهي بها الحال إلى تصوير الإسلام كقنبلة بشرية موقوتة ، خطرها يتعاظم يوماً بعد يوم ، ولا سبيل لنزع فتيلها إلا بحربها الكونية على ما تسميه "الإرهاب" .
وهذا يقودنا إلى سؤال الأخلاق ، وفيما إذا كانت الأخلاق الإنسانية تبرر هكذا تقسيم اعتباطي للإسلام ، فضلاً عما إذا كانت تبرر أيضاً ذلك السلوك الانتحاري ، الذي يبدو أكثر اعتباطاً ، ربما لأنه يعطي المقدمات الأساسية لمثل ذلك التقسيم ، الذي يدفع الجميع ثمنه بلا استثناء .
وسواء بررت الأخلاق ذلك التقسيم أم لا ، فإننا لا نستطيع أن نجرم بشكل قاطع ، موقف الأخلاق النهائي ، لذا يغدو من المستحسن ، على الأقل في هذه المرحلة ، تحييد الأخلاق بالحد الأدنى ، التي على يبدو لم تستطع حتى الآن أن تفعل فعلها الضابط للسلوك البشري في غابة صراعه الأسطوري ، على الرغم مما ينضح به الإسلام من أخلاق في الدين والدنيا وفي المعاملات والعبادات ، وما تعج به جامعات الغرب من العلوم الإنسانية في مجال الأخلاق وأصولها ونظرياتها الأولى .
ولاستحالة الركون على أرضية محددة ، وضيق الهامش في الإشارة إلى قلب المشكلة ولبها ، نعود مرة أخرى إلى السياسة ، وقد يقول قائل ، لا مناص من السياسة كواقعٍ حتمي لكل صراعٍ بشري ، ولا بد من العودة إليها في كل الأحوال لفهم طبيعة الصراع الأبدي والوقوف عند أسبابه ومسبباته .
وإن كانت القضية في جوهرها مرتبطة بالسياسة ، فمن المنطق وليس بشيءٍ من التبرير ، اعتبار كل ما تقوم به الجماعات الإسلامية الحالمة ببسط إيديولوجيتها من خلال ما تقوم به من أعمال مسلحة على الإسلام الآخر - "إسلام المجتمعات"- ينضوي في إطار الصراع على صوابية فكرها المتشرب بإيديولوجية مغالية في إيمانيتها الماضوية ، لدرجة نسفها للأخر وتعطيل سعيه الحثيث نحو الحياة .
ومن غير المنطقي أن يتساوى " إسلام الجبال" مع " إسلام المجتمعات" ، أو أن يحمل أحدهما وزر أعمال الآخر ، فتواصل الحوار مع الآخر ، من شأنه أن يزيل الغموض والإبهام المتكون عن صورة الإسلام كدين وبنفس الوقت يعرفه كثقافة حياة ، بدلاً من تعريفه النمطي كقنبلة بشرية تنتظر ساعة الصفر، كما يحول دون ذلك التقسيم الاعتباطي ، وأما انعدامه ، سيعني مزيداً من التقسيم والتشريح الذي ينتهي به المطاف إلى صورة قنبلة بشرية .
Thaaer-1@hotmail.com

الاثنين، 31 أغسطس 2009

النظامان السوري والإيراني : صناعة الفوضى


ثائر الناشف
بُعيد انتهاء العمليات العسكرية في العراق عام 2003، روج النظام السوري في أوساطه الأمنية ، أن الدور القادم عليه ، ولابد من التحرك في الاتجاه المعاكس ، وهو ما ساهم في فتح أبواب العنف على مصراعيها منذ اليوم الأول للحرب الاميركية على العراق ، تحت مسمى دعم "المقاومة" والمجاهدين ، وكأن العراق بحاجة إلى مَن يقاتل عنه ويذود عن أرضه ، وهو الذي لم يصدق نفسه في التخلص من نظام صدام حسين .
الأجندة الأمنية ولا نقول السياسية ، بين دمشق وطهران هي ما تفسر التدخل المستمر في الساحة العراقية واللبنانية والفلسطينية من خلال استخدام بعض التنظيمات المتطرفة كـ"القاعدة" و"حزب الله" و"حماس" في تنفيذ سلسلة من المشاريع الانقلابية وذلك بغرض صنع المشكلة ومن ثم إيجاد الحل بانتظار قبض الثمن ، وقد ألمحت طهران بذلك في جلسات الحوار مع أميركا ، ولم تتردد في الإفصاح عن أملها بملء الفراغ العراقي .
رغم الافتراق الواضح في المصالح السورية والإيرانية حول العراق ، إلا أن الهيمنة الإيرانية على دوائر صنع القرار السوري وارتباط الأجهزة الأمنية السورية بحليفتها الإيرانية ارتباطاً عضوياً مباشراً ، تتحكم طهران في توجيه مسارها وتحديد أدوارها ، جعلت أمن النظام السوري جزءاً لا يتجزأ من أمن النظام الإيراني ، وقد وصل في أحد وجوهه إلى حد رفع الأعلام الإيرانية وصور مرشدها الأعلى في أهم المعالم التاريخية لدمشق.
ألا يعني قولُ الرئيس السوري بشار الأسد لصحيفة لاريبوبليكا الإيطالية، إنه لا يجب أن ينظر إلى الدور الإيراني في العراق بطريقةٍ سلبية ، اعترافاً غير مباشر بوجود هذا الدور الذي تعدى دور المحتل الاميركي نفسه ، و هل الخوف على استمرار سلطة النظام السوري في دمشق تبرر الدخول إلى بيت الجار العراقي ولو من باب الفوضى .
إن رد النظام السوري على ادعاءات الحكومة العراقية التي اتهمته بإيواء مخططي ومنفذي تفجيرات الأربعاء الأسود ، بأنها غير أخلاقية ولا تستند إلى المنطق السياسي ولا القانوني ، كذر الرماد في العيون والضحك على الذقون ، فعندما يحاجج النظام السوري من باب سد الذرائع بأنه أكثر من كافح الإرهاب في عقد السبعينات والثمانينات ، فكيف للبعض أن يتهمه بدعمه وإيواءه اليوم ، لنا أن نساءل في عجالة لتتضح معالم الصورة من جميع الجوانب ، أي إرهاب كافح ؟ هل لي ذراع الفصائل الفلسطينية في جنوب لبنان وعلى رأسها حركة فتح ، نوع من مكافحة الإرهاب ، ولصالح مَن ؟ أم أن مكافحة الإرهاب تجلت في تدمير مدينة حماة عن بكرة أبيها على يد ميليشيا الجنرال رفعت الأسد ، لخلاف مع جماعة الإخوان المسلمين كان بالإمكان احتواءه لو ترك للعقل مكاناً وسط غرائز العنف الهائجة .
ولطالما رفض النظام السوري التعاطي مع عراق ما بعد صدام من قبيل الحفاظ على "المصلحة القومية" التي ترفض الاعتراف بشرعية الواقع السياسي المنبثق من رحم الاحتلال ، فما الذي حمله على الاعتراف بهذا الواقع ، أهي الضغوط الاميركية التي ما فتئت تطالبه مراراً وتكراراً في تغيير سلوكه المتماهي مع السلوك الإيراني سواء في العراق أو لبنان ، أم أنها ضرورات التحالف مع إيران ، التي تبيح فعل المحظورات ، وهذا يقودنا إلى السؤال عن التضامن العربي الذي ينادي به النظام السوري قبل غيره ، والذي من المفروض أن يضع حداً للتدخلات الإقليمية في حدها الأدنى.
لقد كشفت الغارة الاميركية على بلدة البوكمال في أقصى شرق سورية على الحدود مع العراق ، وما تسرب عنها من معطيات ، بعضاً من الحقائق المتعلقة بدعم وتأييد تنظيم القاعدة، لكن السؤال الأبرز، كيف تلاقت إيديولوجية النظامين السوري والإيراني مع فكر القاعدة في العراق ؟ والأهم من ذلك ، هل توقف هذا التلاقي عند حدودٍ معينة .
يبدو أن النظام السوري لم يتعلم من الدرس اللبناني جيداً ، وينسى أن الذين أخرجوه من لبنان هم أصدقاء الأمس ، وأن حكومة بغداد التي أحرجته أمام العالم وفاجأته بالأدلة ، من ضيوف معارضة نظام صدام .
أخيراً ، قد يكون مفهوماً شكل الفوضى التي تقوم بها إيران في العراق على طريق تحصيل الثأر التاريخي والقومي والمذهبي ، لكن ما هو غير مفهوم ، احتضان النظام السوري لمليون ونصف لاجئ عراقي وبذات الوقت يوغل في الدم العراقي ، متناسياً جولانه المحتل منذ عام 1967 .
Thaaer-1@hotmail.com




الأحد، 30 أغسطس 2009

العراق الجاني والمجني عليه


ثائر الناشف
من يتحمل مسؤولية العنف والفوضى في العراق ؟ على إثر هذا السؤال تتوزع المسؤوليات بين القوات الاميركية والحكومة العراقية ودول الجوار الإقليمي وخصوصاً إيران والنظام السوري .
لكن ، ألا يمكن تحميل العراقيين أنفسهم مسؤولية ما آلت إليه أوضاع بلدهم ؟ فمن الذي أجج نار الطائفية وشكل الميليشيات المذهبية وأقام الحواجز الإسمنتية بين المدن والقصبات ، أليسوا العراقيين أنفسهم ، ومَن الذي سلم مستقبل بلده للمرجعيات الدينية ، أليسوا العراقيين ؟.
بالمقابل ، إذا كان البعثيين والصداميين هم مَن قام ويقوم بكل هذه العمليات التفجيرية ، وعلى الخط الآخر تنظيم القاعدة ، لجهة القيام بالعمليات الانتحارية ، أليس هؤلاء عراقيين ؟ ولماذا كل هذه الجلبة والضجة الإعلامية ، بالقول إن المفجرين والانتحاريين يتسللون إلى أرض العراق من دول الجوار ليعيثوا به قتلاً وفساداً ؟.
قد يكون بعض هؤلاء الانتحاريين ليس من العراق ، كتنظيم "أبو مصعب الزرقاوي" ، لكن ماذا نقول عن " أبو غادية" وجماعة "جند السماء" ، ومن يدعي أنه المهدي المنتظر ، أليس العراق مَن يجني على نفسه قبل أن يجني عليه الآخرون ؟.
إذا ما ذهبنا إلى القول إن العراق جنى على نفسه كما جنت براقش على أهلها ، قد يتهمنا البعض بالتعدي على أعرق حضارة عرفها التاريخ الإنساني ، حضارة أرض الرافدين ، التي تحولت مسرحاً لتصفية الحسابات الإقليمية والتاريخية .
الحضارة في نظر بعض سفسطائيي العراق ، لا تنتج العنف ولا التطرف ، فمن أي حضارة هبط الصداميين والصحويين والصدريين ، ألم يأتوا من الرحم العراقي ، مثلما أتى المتنبي وأبو النواس من ذات الرحم .
إذن ، العنف في العراق ليس وليد لحظة سقوط نظام صدام حسين ولا بدخول القوات الاميركية إليه ، إنما هو حالة قديمة قدم العراق والحضارات التي تعاقبت على أرضه ، فلم يذق هذا البلد طعم السلم إلا في فترات قصيرة متباعدة .
ولا يفوتنا أن العنف لم يوفر آل بيت رسول الله (ص) وهم في مراقدهم ، كما حصل مع مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري رضي الله عنهما في سامراء قبل ثلاثة أعوام ، وقبله بمئات السنين شهد العراق أكبر عملية اغتيال سياسي في التاريخ الإسلامي للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ونجله الإمام الحسين عليه السلام ، بغض النظر عن المنفذ والدوافع السياسية التي دفعته آنذاك ، ولازال هذا الاغتيال الدامي يلقي بظلال من العنف يدفع المسلمون ثمنه الأكبر .
وبالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس ، يظهر جلياً أن الحسابات التاريخية الضيقة لإيران ، مازالت تتمترس خلف ذهنية الثأر والانتقام منذ آلاف السنين ، وهي الآن تفعل فعلها الانتقامي في العراق ، الذي خاض معها أشرس الحروب على مر التاريخ البشري .
عندما يكون العراق في حالة ضعف ، تكون إيران في حالة انتقام للتاريخ الذي تفتت فيه عروش أمبرطوريتها العظمى ، هذه المعادلة الخاضعة لتوازن القوى الإقليمي ، يُجنى فيها على العراق أكثر مما يجني على نفسه ، إذا ما استبعدنا منها توازن المصالح الحزبية والمذهبية .
أما عندما يكون النظام السوري في زواج مقدس مع ملالي قم ، فلا غرابة أن تتوحد أجندتهما السياسية في زعزعة العراق تمهيداً لملء فراغه .
Thaaer-1@hotmail.com

الجمعة، 28 أغسطس 2009

حماس على طريق الإمارة


ثائر الناشف
قد يكون مفهوماً أن يغدو قطاع غزة حكراً على حماس وحدها ، لكن غير مفهوم أن تطعن بشرعية الفصائل الفلسطينية التي سبقتها في حمل راية المواجهة مع إسرائيل ، بمعنى أن المراحل التي سبقت ظهور حماس على الساحة لا يعتد بها من وجهة نظرها ، ابتداءً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى ما هو عليه الحال اليوم .
والحال في الضفة والقطاع أسوأ بكثير من الحال داخل الخط الأخضر ، والذي قد يكون أهله في نعيم لا يقاس أمام جحيم انقسام الأخوة داخل أراضي عام 1967 ، على الأقل لا يوجد داخل الخط الأخضر انقلابات ولا تصفيات أو سجون بين الأخوة ، حتى لو مارسها الاحتلال على شكل اجتياحات وتوغلات واغتيالات ، فان أثرها أقل وقعاً على النفس ، لاسيما عندما يمارسها الأخ تجاه أخيه .
فماذا يمكن أن نسمي رفض حماس الاعتراف بشرعية المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية المنبثقة عنه ، وبذات الوقت تقاتل لأجل الاحتفاظ بنصيبها من سلطة أوسلو ، فهي تقبل الانضواء في عملية أوسلو ، إذا ضمنت لها الفوز في الانتخابات التشريعية بأغلبية ساحقة ، وترفض الاعتراف بمنظمة التحرير إذا لم تكن مفصلة على مقاسها ، أي أن يكون لها حصة لا تقل عن حصتها في الحكومة .
حماس تريد اختزال القضية الفلسطينية بمصائب غزة وأهوالها ، أي الظهور بمظهر "الممانع" لكل أشكال الحصار ، و"المقاوم" لكل الحروب ، والآخرين في الضفة والشتات ليسوا سوى أجراء للاحتلال يلهثون وراء سراب السلام الخادع .
إذن ، يحق لحماس أن تفعل بغزة ما تشاء ، ولا يحق لغيرها أن يحرك ساكناً ، فهي تمنع أي فلسطيني ينوي السفر إلى الضفة بداعي مشاركة إخوانه في مؤتمرهم العام كما جرى مع مؤتمر فتح السادس ، وهي تمنع حجاج بيت الله الحرام من مغادرة أراضي القطاع إلى مصر ومن ثم إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج ، إذا كان موقفها السياسي لا يتطابق مع موقف سكان الضفة وتالياً مع موقف مصر ، وهي تخلق المناخ الملائم لنمو التطرف جراء الحصار والإغلاق وفقدان الناس لمصدر رزقهم وعيشهم من المساعدات والإغاثة الأممية ، فضلاً عن فقدانهم لرواتبهم من بنوك الأسرة الدولية ، وآخر صور هذا التطرف تمثل بظهور جماعة أنصار جند الله وإعلانها القطاع إمارة إسلاموية .
وبالمقابل ، لماذا تستحي حماس الإعلان عن إماراتها الإسلاموية على أنقاض ما دمرته آلة الحرب في غزة ؟ هل لأن ذلك يغضب الحلفاء في دمشق وطهران خشية من إثارة مخاوف دول الجوار وعلى رأسهم مصر ولبنان والأردن من حتمية ولادة ولاية حزب الله في لبنان أسوة بإمارة حماس ؟ إذا كان هذا التحليل صحيحاً ، فإن حماس تلعب لعبتها بصمت وتسير على طريق الإمارة بتأنٍ وتمهل ، ولأجل ذلك تصارع الوقت ، أكثر مما تصارع إسرائيل ، لتثبيت وتعضيد أركان إمارتها الفتية ، وهو ما يفسر تعثر جهود الحوار الوطني في إنجاز المصالحة المرجوة .
Thaaer-1@hotmail.com





الجمعة، 21 أغسطس 2009

الزعامة من حصة الأسد

ثائر الناشف
ما الذي دفع بشار الأسد إلى رفع سقف تصريحاته رداً على تدخل الغرب في انتخابات الرئاسة الإيرانية ؟ سؤال قد يبدو للبعض غامضاً ، لكنه في حقيقة الأمر ، لا يعدو كونه شعوراً بـ"النصر" ، النصر في إجراء الانتخابات الإيرانية ، وفوز احمدي نجاد ، ولو عن طريق تزوير إرادة الناخبين والتغرير بهم ، والنصر في اعتقال واحتجاز مئات المحتجين على الانتخابات ، والنصر على النصر ، لا يعني سوى النصر على الوهم .
يبدو أن الأسد يحذو حذو تصريحات نجاد النارية التي عزلت إيران عن محيطها الدولي ، وبذات الوقت أعادت انتخاب نجاد رغماً عن أنف الإيرانيين وبمباركة وتأييد المرشد الأعلى ، وهو ما يفسر الوحدة التي تغنى بها الولي الفقيه في حضور الأسد .
أياً كانت خطب نجاد ، وفي أي اتجاه ذهبت ، فإن الأسد أشد حرصاً على عدم استفزاز الغرب وتوتير العلاقة معه ، فالملفات التي في يده ، هي ذاتها في يد طهران ، ما يجعل هامش المناورة حكراً لدى الأخيرة وحدها ، فإذا ناور الأسد ، فإنه يناور على حسابها ، وإذا صرح ، فإنه يصرح باسمها ، وهذا ما حصل في زيارته الأخيرة لها .
تراكم الملفات العالقة بين إيران والغرب ، سيصار إلى التحرك صوبها إن عاجلاً أو آجلاً ، ولا يعني التحرك إذا ما جرى ، نصراً مؤزراً كما تحب أن تفهم ، ويشاركها الأسد هذا الفهم الخاطئ ، أو لنقل فهم استباق الأمور قبل وقوعها على أنها نصر مبين ، للتقليل ما يمكن من الخسائر والتنازلات المتبادلة حول تلك الملفات وعلى رأسها الملف النووي والعراقي .
وبالعودة إلى السؤال الأول ، تبدو الإجابة عنه متشعبة وتطرح في داخلها احتمالات عديدة ، قد يكون الأسد حصل على ما كان يريده من زيارة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي ، وقبلها زيارة الوفد العسكري الاميركي ، وقد يكون انتابه شعور بالزعامة الإقليمية ، وهو يرى أعمدة الدخان ترتفع في كل بقعة ، حتى في طهران التي ارتبط بها ارتباطاً عضوياً ، فيما دياره منيعة في وجه العواصف .
لطالما ورث الأسد الابن أبيه في السلطة ، فلماذا لا يرث الرئيس جمال عبد الناصر في الزعامة ؟ لاسيما وأن الأسد الأب ، فعل المستحيل لسحب بساط الزعامة من تحت أقدام عبد الناصر ، لكن من دون جدوى ، رغم هزيمتهما المدوية في حرب الأيام الستة 1967 .
أمنية لم تتحقق للأب فما الذي يحول دون تحقيقها للابن ؟ ما يحول أن عصرنا هذا ، ليس عصر الزعامات المهزومة ولا المأخوذة بأبهة النصر الإلهي ، فالزعامة الحقيقة تجيب عنها وكالة أنباء النظام السوري التي تغاضت عن إيراد تصريحات رئيسها كاملة ، وهي أن لا تصرح شرقاً وتلحس بطرف لسانك ما صرحت غرباً .
Thaaer-1@hotmail.com